وهبة الزحيلي
242
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
ولأن أكثركم فاسقون ، أي متمردون خارجون عن حقيقة الدين ، وليس لكم من الدين إلا التعصب والمظاهر والتقاليد الجوفاء . وقوله : وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ معطوف على آمَنَّا بمعنى : وما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين الحكم عليكم بتمردكم وخروجكم عن الإيمان ، كأنه قيل : وما تنكرون منا إلا مخالفتكم ، حيث دخلنا في دين الإسلام ، وأنتم خارجون منه . ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف ، أي واعتقاد أنكم فاسقون . ويمكن عطفه على المجرور ، أي ما تنقمون منا إلا الإيمان باللّه وبما أنزل إلينا وبأن أكثركم فاسقون . وعبر بالأكثر ؛ لأن بعض أهل الكتاب ما يزالون متمسكين بأصول الدين من توحيد الإله وعبادته ، والتزام الحق والعدل ، وحب الخير . ثم أجابهم تعالى عن استهزائهم بقوله : قل لهم يا محمد ، هل أنبئكم أي أخبركم أيها المستهزئون بديننا الذين تقولون : « لا نعلم شرا من دينكم » وأعلمكم بما هو شر من أهل ذلك ، أو من دين من لعنه اللّه ، بتقدير مضاف محذوف قبل كلمة ذلِكَ . واستدعى ذلك سؤالا آخر منهم عن الذي هو شر : ما هو ؟ فأجاب تعالى : والذي هو شر من ذلك : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أي هل أخبركم بشر مما تقولون وتظنونه بنا هو جزاء من لعنه اللّه . كقوله تعالى : قُلْ : أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ : النَّارُ [ الحج 22 / 772 ] . وفي هذا انتقال من تبكيت لهم بإقامة الحجة على هزئهم ولعبهم إلى ما هو أشد منه تبكيتا وتشنيعا عليهم ، وهو التذكير بسوء حال أسلافهم مع أنبيائهم ، وما كان من جزاء اللّه لهم على فسقهم .